يمثل تطوير لقاحات فعالة ضد الأمراض المدارية المهملة أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي عالميًا، نظراً لما تسببه هذه الأمراض من معاناة لملايين الأشخاص، خاصة في الدول النامية.
وفي خطوة قد تشكل تحولًا في جهود مكافحة مرض البلهارسيا، كشفت دراسة أميركية عن نتائج مبشرة لأول لقاح قيد التطوير، بعدما أظهر قدرة على تحفيز استجابة مناعية قوية وتكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد، ما يعزز الآمال في توفير وسيلة وقائية فعالة ضد هذا المرض الطفيلي واسع الانتشار.
أظهرت دراسة أميركية نتائج واعدة لأول لقاح يجري تطويره للوقاية من مرض البلهارسيا، بعدما نجح في تحفيز استجابة مناعية قوية وتكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد، في خطوة قد تمهد لإنتاج أول لقاح معتمد ضد أحد أكثر الأمراض المدارية إهمالًا على مستوى العالم.
وأوضح باحثون من مركز العلوم الصحية بجامعة تكساس التقنية في الولايات المتحدة أن النتائج، التي نشرت في دورية NPJ Vaccines، تمثل تقدمًا مهمًا في جهود مكافحة المرض الذي لا يزال يشكل عبئًا صحيًا كبيرًا في العديد من الدول.
مرض يصيب الملايين حول العالم
تُعد البلهارسيا مرضًا طفيليًا تسببه ديدان تنتقل إلى الإنسان عبر المياه العذبة الملوثة، حيث تخترق يرقات الطفيل الجلد، ثم تنمو داخل الجسم إلى ديدان بالغة تضع البيوض المسببة للإصابة ومضاعفاتها.
وينتشر المرض في نحو 80 دولة، خصوصًا في دول أفريقيا جنوب الصحراء، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى إصابة نحو 250 مليون شخص، فيما يواجه أكثر من 800 مليون شخص خطر التعرض للعدوى، ليأتي في المرتبة الثانية بين أكثر الأمراض الطفيلية المدارية فتكاً بعد الملاريا.
كما يصنف ضمن الأمراض المدارية المهملة، نظرًا إلى انتشاره بشكل رئيسي بين المجتمعات الفقيرة في المناطق المدارية وشبه المدارية.
غياب لقاح معتمد حتى الآن
ورغم الانتشار الواسع للمرض، لا يتوفر حتى الآن أي لقاح معتمد للوقاية من البلهارسيا. ويقتصر العلاج الحالي على استخدام دواء مضاد للطفيليات يعالج العدوى القائمة، لكنه لا يمنع الإصابة مجددًا، ما يجعل تطوير لقاح فعال هدفاً رئيسيًا للجهود الصحية العالمية.
بعد سنوات طويلة من العمل، طور الباحثون لقاحًا تجريبيًا يحمل اسم SchistoShield، وخضع لاختبارات سريرية أولية أظهرت قدرته على تنشيط الجهاز المناعي لدى المتطوعين.
وأثبتت النتائج أن اللقاح حقق هدفين أساسيين لأي لقاح ناجح؛ إذ حفز استجابة مناعية فعالة، إلى جانب تكوين ذاكرة مناعية تساعد الجسم على التعرف إلى الطفيل والاستجابة له بسرعة عند التعرض له مستقبلًا.
مناعة خلوية وذاكرة طويلة الأمد
أظهرت العينات المأخوذة من متطوعين في الولايات المتحدة وأفريقيا أن اللقاح حفز نوعين رئيسيين من المناعة، تمثلا في استجابات مناعية خلوية فعالة، إضافة إلى تكوين خلايا ذاكرة مناعية من الخلايا البائية (B) والخلايا التائية (T)، وهي من أهم المؤشرات على قدرة اللقاح على توفير حماية مستدامة.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج تعزز احتمالات نجاح اللقاح في الوقاية من طفيليات البلهارسيا وربما أنواع أخرى من الديدان الطفيلية، مشيرين إلى أن المشاركين في التجارب أظهروا استجابة مناعية تذكّرية واضحة.
المرحلة المقبلة: تجارب أوسع
ورغم النتائج الإيجابية، شدد فريق البحث على أن التجارب الحالية اقتصرت على مجموعات صغيرة تراوح عددها بين 50 و100 متطوع، ما يستدعي الانتقال إلى مراحل سريرية أكبر تشمل آلاف المشاركين، بهدف التأكد من فعالية اللقاح وسلامته قبل اعتماده للاستخدام على نطاق واسع.
ورغم أن اللقاح لا يزال في المراحل السريرية المبكرة، فإن النتائج التي حققها تمثل خطوة مهمة نحو سد فجوة طال انتظارها في مكافحة البلهارسيا. ومع الانتقال إلى تجارب أوسع تشمل آلاف المتطوعين، يأمل الباحثون في تأكيد فعاليته وسلامته، تمهيدًا لإتاحة أول لقاح قادر على الحد من انتشار المرض وحماية ملايين الأشخاص المعرضين للإصابة حول العالم.
















