كشفت دراسة حديثة أن تأثير تلوث الهواء لا يقتصر على الإضرار بالجهاز التنفسي والقلب، بل قد يمتد إلى وظائف الدماغ والذاكرة.
ووجد باحثون من جامعة كاليفورنيا في ديفيس وشركة “كايزر بيرماننتي” للرعاية الصحية أن التعرض طويل الأمد للجسيمات الدقيقة الملوثة يرتبط بتراجع ملحوظ في بعض القدرات المعرفية.
تأثير يعادل 10 سنوات
أظهرت نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين تعرضوا لأعلى مستويات التلوث على مدى ما يقرب من 20 عامًا حققوا درجات أقل في اختبارات الذاكرة مقارنة بمن عاشوا في بيئات أقل تلوثًا. وبحسب الباحثين، يشبه حجم هذا التراجع التأثير الطبيعي الذي يطرأ على الدماغ خلال نحو 10 سنوات من التقدم في العمر.
الذاكرة الدلالية الأكثر تضررًا
ركز التأثير بشكل خاص على “الذاكرة الدلالية”، وهي المسؤولة عن تخزين واسترجاع المعلومات العامة والحقائق والكلمات التي يعتمد عليها الإنسان في التواصل وفهم العالم من حوله.
وقالت الدكتورة كاثرين كونلون، المشرفة الرئيسة على الدراسة، إن هذا النوع من الذاكرة ضروري للقيام بالأنشطة اليومية، مشيرة إلى أن التعرض المزمن لتلوث الهواء قد يؤثر في طريقة شيخوخة الدماغ وجودة حياة الأفراد واستقلاليتهم.
بعض القدرات العقلية بقيت سليمة
ورغم النتائج المقلقة، أوضح الباحثون أن أنواعاً أخرى من الذاكرة لم تتأثر بشكل واضح، مثل الذاكرة العرضية اللفظية المرتبطة بتذكر الأحداث والتجارب الشخصية، إضافة إلى الوظائف التنفيذية المسؤولة عن التركيز وتذكر التعليمات.
ويرى فريق الدراسة أن ذلك يشير إلى أن تأثير التلوث يستهدف مناطق محددة في الدماغ. وليس تراجعاً عاماً في مستوى الذكاء أو القدرات الإدراكية كافة.
متابعة المشاركين على مدار سنوات
استندت الدراسة إلى بيانات بحث أجرته “كايزر بيرماننتي” عام 2017 حول الشيخوخة الصحية لدى الأمريكيين من أصول إفريقية، وشمل 750 شخصًا بالغًا يعيش معظمهم في منطقة خليج كاليفورنيا.
وقام الباحثون بتقدير مستويات التلوث التي تعرض لها المشاركون في منازلهم على مدى 17 عامًا، ثم قيّموا أداءهم المعرفي بعد مرور 5 سنوات و10 سنوات و17 عاماً من المتابعة.
مخاطر أكبر لدى الأمريكيين
سلطت الدراسة الضوء على أن الأمريكيين يواجهون خطرًا أعلى للإصابة بمرض ألزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، وفقًا لمؤسسة ألزهايمر. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى ارتفاع معدلات السكن في المناطق الأكثر تلوثًا، إلى جانب عوامل صحية أخرى مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
كما أشارت تقارير طبية إلى أن كثيرًا من كبار السن من يتأخرون في طلب المساعدة الطبية عند ظهور مشكلات الذاكرة، إذ غالبًا ما ينظرون إليها باعتبارها جزءاً طبيعياً من التقدم في العمر.
تلوث الهواء عامل يمكن الحد منه
أكد الباحثون أن تلوث الهواء يُعد من عوامل الخطر القابلة للتعديل، ما يعني إمكانية تقليل تأثيره عبر الإجراءات الفردية والسياسات العامة.
وقالت الدكتورة راشيل ويتمير، المشاركة في الدراسة والمديرة المشاركة لمركز أبحاث ألزهايمر، إن فهم العوامل البيئية التي تسهم في تسريع التدهور المعرفي يمثل خطوة مهمة للحد من الفوارق في معدلات الإصابة بالخرف، مشيرة إلى أن تلوث الهواء يعد هدفًا مهمًا للوقاية بسبب إمكانية التحكم فيه.
كيف يمكن تقليل التعرض للتلوث؟
يوصي الخبراء بعدد من الإجراءات للحد من التأثيرات الصحية لتلوث الهواء، من بينها:
- تقليل الأنشطة الخارجية خلال الأيام التي ترتفع فيها معدلات التلوث.
- استخدام أجهزة تنقية الهواء داخل المنازل.
- إغلاق النوافذ خلال فترات الذروة.
- تجنب ممارسة الرياضة بالقرب من الطرق المزدحمة ومصادر الانبعاثات المرورية.
هذه الإجراءات البسيطة قد تسهم في تقليل التعرض للملوثات والحفاظ على صحة الدماغ والوظائف المعرفية مع التقدم في العمر.

















