يدرس العلماء إمكانية تقييم صحة العظام من خلال عينة صغيرة من الأظافر، في فكرة قد تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال العلمي. فبدلًا من انتظار ظهور الأعراض أو التعرض لأول كسر، يسعى الباحثون إلى اكتشاف مؤشرات مبكرة تنذر بخطر الإصابة بهشاشة العظام قبل سنوات من ظهورها، ما قد يُحدث تحولًا كبيرًا في أساليب التشخيص المبكر والوقاية من المرض.
البحث عن مؤشرات مبكرة للمرض الصامت
اعتمد تشخيص هشاشة العظام لعقود طويلة على قياس كثافة العظام وفحوص الأشعة المختلفة. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثيرًا من المرضى لا يكتشفون إصابتهم إلا بعد التعرض لأول كسر، عندما تكون العظام قد فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها. لذلك بدأ العلماء رحلة بحث جديدة لاكتشاف دلائل بيولوجية مبكرة يمكن رصدها قبل وصول المرض إلى هذه المرحلة.
كيف ترتبط الأظافر بصحة العظام؟
رغم أن الأظافر والعظام يبدوان عضوين مختلفين تمامًا، فإنهما يتأثران بعدد من العمليات البيولوجية المشتركة المرتبطة بالتقدم في العمر والهرمونات والتغذية. ويعتقد الباحثون أن التغيرات التي تحدث في بعض البروتينات داخل الجسم قد تنعكس بصورة غير مباشرة على تركيب الأظافر، ما يجعلها مصدرًا محتملًا للكشف عن التغيرات المبكرة المرتبطة بصحة العظام.
الكيراتين.. البروتين الذي يحمل الإشارات
يركز العلماء اهتمامهم على بروتين الكيراتين، المكوّن الأساسي للأظافر والشعر. وتشير الدراسات إلى أن التغيرات المجهرية التي تطرأ على هذا البروتين قد تعكس تغيرات مشابهة تحدث في العظام نفسها. ومن هنا ظهرت فرضية أن الأظافر قد تحمل «بصمات بيولوجية» تكشف مستوى قوة العظام واحتمالات تعرضها للكسور مستقبلاً.
تقنية جديدة تعتمد على قصاصة ظفر
من أبرز الابتكارات في هذا المجال تقنية بريطانية تُعرف باسم «أوسنتيا» (Osentia)، والتي تعتمد على تحليل قصاصة صغيرة من الظفر للكشف عن مؤشرات ترتبط بخطر هشاشة العظام.
ويستخدم الاختبار تقنية التحليل الطيفي رامان، وهي تقنية متقدمة تسمح بدراسة التركيب الجزيئي للمواد من خلال تفاعل الضوء مع البروتينات. وبعد تحليل عينة الظفر، تدمج النتائج مع عوامل أخرى مثل العمر والجنس والتاريخ المرضي لإصدار تقرير يقدر احتمالات التعرض لكسور مرتبطة بهشاشة العظام في المستقبل.
من المنزل إلى المختبر
تعتمد الفكرة على خطوات بسيطة؛ إذ يقوم الشخص بقص جزء صغير من ظفره وإرساله إلى المختبر، حيث تُفحص العينة وتحلل بياناتها باستخدام تقنيات متطورة. وتشير بعض الدراسات الأولية إلى أن التغيرات المكتشفة في الأظافر قد تساعد في التنبؤ بخطر الكسور قبل سنوات من حدوثها، ما يمنح الأطباء فرصة للتدخل الوقائي في وقت مبكر.
دراسة أميركية تدعم الاتجاه الجديد
شهد هذا المجال دفعة علمية جديدة بعد دراسة نُشرت في مارس 2026، أجراها الباحث محمد حسيني وفريق بقيادة البروفسور أندرو بيرغر من جامعة روتشستر الأميركية. واستخدم الباحثون تقنية متقدمة من التحليل الطيفي رامان مدعومة بخوارزميات التعلم الآلي لرصد التغيرات الكيميائية المرتبطة بهشاشة العظام من خلال قياسات غير جراحية أُخذت من أصابع اليد.
وأظهرت النتائج قدرة النظام على التمييز بين العظام السليمة والعظام المصابة بالهشاشة، مع وجود ارتباط واضح بنتائج فحوص كثافة العظام التقليدية، ما يعزز فرص تطوير اختبارات أسرع وأسهل خارج غرف الأشعة.
هشاشة العظام.. أزمة صحية عالمية
تزداد أهمية هذه الأبحاث في ظل الانتشار الواسع لهشاشة العظام حول العالم. ويطلق الأطباء على المرض وصف «الوباء الصامت» لأنه يتطور تدريجيًا من دون أعراض واضحة، وغالبًا لا يكتشف إلا بعد وقوع أول كسر.
وتشير تقديرات المؤسسة الدولية لهشاشة العظام إلى أن امرأة من كل اثنتين ورجلًا من كل خمسة رجال فوق سن الخمسين معرضون للإصابة بكسور مرتبطة بالمرض، فيما يقدر عدد المصابين عالمياً بنحو 200 مليون شخص.
من علاج المرض إلى التنبؤ به
لا تكمن أهمية هذه التقنيات في استخدامها للأظافر أو الليزر أو الذكاء الاصطناعي فحسب، بل في الفلسفة الطبية الجديدة التي تستند إليها. فبدلًا من انتظار ظهور المرض ثم علاجه، يتجه الطب الحديث إلى التنبؤ بالمخاطر الصحية قبل حدوثها، ما يتيح التدخل المبكر وتحسين فرص الوقاية.
مستقبل الطب الوقائي
تعكس تقنيات تحليل الأظافر توجهًا متناميًا نحو الطب التنبؤي، الذي يعتمد على المؤشرات الحيوية والذكاء الاصطناعي لرسم صورة دقيقة للمخاطر الصحية المستقبلية لكل فرد. وقد يكون ما نشهده اليوم في مجال هشاشة العظام مجرد بداية لعصر طبي جديد يستطيع فيه الأطباء اكتشاف الأمراض قبل ظهورها بسنوات، اعتماداً على إشارات دقيقة يرسلها الجسم باستمرار.
وعندها قد يصبح سؤال الطبيب لمريضه مختلفًا تمامًا، فبدلًا من أن يسأله عن موضع الألم، ربما يطلب منه أولًا إحضار قصاصة صغيرة من ظفره.

















