توصلت دراسة طبية مبتكرة أجراها فريق بحثي من جامعة هارفارد الأمريكية إلى نتائج مفاجئة تشير إلى أن النساء المصابات بمتلازمة ما قبل الحيض يمكن أن يشعرن بتحسن ملحوظ في أعراضهن عند تناول أدوية وهمية (بلاسيبو)، مما يفتح آفاقاً جديدة في فهم وعلاج هذه الحالة التي تؤثر على ملايين النساء حول العالم.
تأثير متلازمة ما قبل الحيض على جودة حياة النساء
تصيب متلازمة ما قبل الحيض ما يقرب من 75% من النساء في سن الإنجاب، وتتميز بمجموعة من الأعراض الجسدية والنفسية التي تظهر قبل الدورة الشهرية، بما في ذلك تقلبات المزاج، والتهيج، والاكتئاب، والتعب، واحتباس السوائل، والصداع، وآلام المفاصل والعضلات.
وأوضحت الدكتورة ليندا ريتشاردسون، قائدة الدراسة: “متلازمة ما قبل الحيض ليست مجرد اضطراب بسيط كما يعتقد البعض، بل يمكن أن تكون حالة مقيدة تؤثر بشكل كبير على نوعية حياة المرأة وأدائها اليومي، سواء في العمل أو في العلاقات الشخصية.”
كيف تؤثر العلاجات الوهمية على أعراض متلازمة ما قبل الحيض؟
شملت الدراسة 187 امرأة يعانين من متلازمة ما قبل الحيض، تم تقسيمهن إلى ثلاث مجموعات: مجموعة تلقت دواءً وهمياً مع إخبارهن أنه دواء حقيقي، ومجموعة تلقت دواءً وهمياً مع إخبارهن بطبيعته الوهمية، ومجموعة ضابطة لم تتلق أي علاج.
وكشفت النتائج أن المجموعة التي تلقت العلاج الوهمي مع معرفتهن بطبيعته أظهرت تحسناً في الأعراض بنسبة 42%، بينما حققت المجموعة التي تلقت العلاج الوهمي دون معرفة طبيعته تحسناً بنسبة 49%، مقارنة بتحسن بنسبة 15% فقط في المجموعة الضابطة.
وأشارت الدكتورة ريتشاردسون إلى أن “هذه النتائج تشير إلى أن آلية تأثير البلاسيبو يمكن أن تعمل حتى عندما تكون المريضة على دراية بطبيعة العلاج الوهمي، وهذا يفتح المجال أمام استراتيجيات علاجية جديدة.”
اقرأ أيضًا: انتباذ بطانة الرحم.. المرض الخفي وراء آلام الحيض الشديدة
الآليات العصبية والهرمونية وراء استجابة متلازمة ما قبل الحيض للبلاسيبو
قدمت الدراسة تفسيرات محتملة للآليات البيولوجية التي تجعل متلازمة ما قبل الحيض تستجيب للعلاجات الوهمية، بما في ذلك:
– إطلاق المواد الأفيونية الطبيعية (الإندورفين) في الدماغ استجابة لتوقع التحسن.
– تغييرات في مستويات بعض الهرمونات المرتبطة بالدورة الشهرية.
– تعديل مستويات الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين.
– تأثيرات على الاستجابة المناعية والالتهابية.
وقال الدكتور مايكل جونسون، عالم الأعصاب المشارك في الدراسة: “نعتقد أن توقع التحسن يمكن أن يحفز تغييرات فيزيولوجية حقيقية في الجسم تؤدي إلى تخفيف أعراض متلازمة ما قبل الحيض، وهذا يوضح العلاقة القوية بين العقل والجسم.”
استراتيجيات علاجية جديدة لمتلازمة ما قبل الحيض
في ضوء هذه النتائج، اقترح الباحثون عدة استراتيجيات علاجية جديدة يمكن أن تستفيد من تأثير البلاسيبو في علاج متلازمة ما قبل الحيض:
– العلاج المعرفي السلوكي الذي يركز على تغيير المعتقدات السلبية حول متلازمة ما قبل الحيض.
– تحسين العلاقة بين الطبيب والمريضة لتعزيز التوقعات الإيجابية.
– تقنيات الاسترخاء والتأمل التي يمكن أن تعزز الاستجابة للعلاج.
– دمج العلاجات الوهمية الصريحة كجزء من نهج علاجي شامل.
وأكدت الدكتورة ريتشاردسون أن “هدفنا ليس استبدال العلاجات التقليدية، بل استكمالها بنهج يستفيد من قدرة الجسم على الشفاء الذاتي.”
الآثار الأخلاقية والتطبيقات السريرية
أثارت الدراسة نقاشات حول الجوانب الأخلاقية لاستخدام العلاجات الوهمية في الممارسة السريرية، حيث أشار الباحثون إلى ضرورة التوازن بين الصدق مع المرضى وتقديم أفضل رعاية ممكنة.
واقترح الفريق البحثي طرقاً أخلاقية لدمج تأثيرات البلاسيبو في علاج متلازمة ما قبل الحيض، مثل:
– تقديم معلومات دقيقة حول فعالية العلاجات المختلفة، بما في ذلك تأثير البلاسيبو.
– بناء علاقة داعمة بين الطبيب والمريضة تعزز نتائج العلاج.
– تعزيز التوقعات الإيجابية دون تقديم معلومات مضللة.
وختمت الدكتورة ريتشاردسون قائلة: “نأمل أن تسهم نتائج دراستنا في تغيير نظرة المجتمع الطبي إلى متلازمة ما قبل الحيض وتوسيع نطاق الخيارات العلاجية المتاحة للنساء اللواتي يعانين من هذه الحالة، مع التركيز على نهج أكثر شمولية يدمج بين الجوانب البيولوجية والنفسية والاجتماعية.”