كشفت دراسة علمية حديثة أجرتها جامعة ستانفورد أن تشتت الانتباه الذهني الداخلي يمثل تحديًا أكبر للتركيز من المشتتات الخارجية كالهواتف الذكية، حيث وجد الباحثون أن الأفكار المتطفلة والقلق والأحلام اليقظة تقلل من مستويات التركيز بنسبة تصل إلى 44%، وهي نسبة تفوق تأثير المشتتات الخارجية بشكل ملحوظ.
تشتت الانتباه الذهني هو المشكلة الحقيقية
قاد الدراسة البروفيسور مايكل جونسون من قسم علم النفس المعرفي بجامعة ستانفورد، وشملت 412 مشاركًا تم تتبع مستويات تركيزهم وإنتاجيتهم على مدار أسبوعين باستخدام تقنيات متقدمة لمراقبة النشاط الدماغي ومقاييس الأداء المعرفي.
وأوضح البروفيسور جونسون: “لطالما ألقينا باللوم على الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشتت انتباهنا، لكن ما وجدناه هو أن تشتت الانتباه الذهني الداخلي كان مسؤولًا عن خسارة أكبر في التركيز”، وأضاف: “حتى عندما وضع المشاركون هواتفهم جانبًا، كانت عقولهم تنجرف بعيدًا عن المهام المطلوبة بمعدل مرة كل 3-4 دقائق في المتوسط”.
وكشفت النتائج أن المشاركين الذين عانوا من مستويات عالية من تشتت الانتباه الذهني استغرقوا وقتًا أطول بنسبة 37% لإكمال مهام الاختبار، وارتكبوا أخطاء أكثر بنسبة 28% مقارنة بالمشاركين الذين تمكنوا من الحفاظ على تركيز ذهني أفضل.
اقرأ أيضًا: أستاذ طب أطفال لـ”شهد”: سوء التغذية يضعف القدرات العقلية ويقلل التركيز
الأسباب الرئيسية لتشتت الانتباه الذهني
وفقًا للدراسة، فإن أكثر أشكال التشتت الذهني شيوعًا شملت القلق بشأن المستقبل (27%)، واجترار أحداث الماضي (22%)، والتخطيط لأنشطة لاحقة (19%)، والأحلام اليقظة أو الخيالات (17%)، والجوع أو الإحساس بعدم الراحة الجسدية (15%).
وأوضحت الدكتورة سارة كيم، الباحثة المشاركة في الدراسة: “وجدنا أن تشتت الانتباه الذهني له أنماط وإيقاعات معينة، فهو يزداد في أوقات محددة من اليوم، خاصةً في منتصف الصباح وبعد الظهر”، وأضافت: “كما لاحظنا أن المشاركين الذين يعانون من مستويات عالية من القلق كانوا أكثر عرضة للتشتت الذهني بنسبة 53% مقارنة بالمشاركين الأقل قلقًا”.
وبينت الدراسة أن الأشخاص الذين يعملون في بيئات مفتوحة أو صاخبة كانوا أكثر عرضة للتشتت الذهني، وذلك على الرغم من استخدام سماعات الضوضاء أو الاستماع إلى الموسيقى، مما يشير إلى تفاعل معقد بين البيئة الخارجية والعمليات الذهنية الداخلية.
استراتيجيات للتغلب على تشتت الانتباه الذهني
تقترح الدراسة عدة استراتيجيات للتعامل مع تشتت الانتباه الذهني، بما في ذلك ممارسة التأمل اليقظ، الذي أظهر قدرته على تقليل التشتت الذهني بنسبة 31% لدى المشاركين الذين مارسوه بانتظام لمدة أسبوعين.
وقالت الدكتورة كيم: “وجدنا أن تقنية ‘الوقفة الذهنية’ كانت فعالة بشكل خاص، حيث يقوم الشخص بإيقاف نشاطه لمدة 30 ثانية عندما يلاحظ تشتت انتباهه، ويسجل أفكاره المشتتة قبل العودة إلى المهمة”، وأضافت: “هذه التقنية ساعدت في تقليل وقت العودة إلى التركيز بعد التشتت بنسبة 40%”.
كما أظهرت الدراسة أن تقسيم المهام إلى فترات عمل قصيرة (25-30 دقيقة) تليها فترات راحة قصيرة (5 دقائق) كان أكثر فعالية في تقليل تشتت الانتباه الذهني مقارنةً بالعمل المستمر لفترات طويلة، حيث انخفض معدل التشتت بنسبة 28% باستخدام هذه الإستراتيجية.
تأثير تشتت الانتباه الذهني على الصحة والإنتاجية
وفقًا للبروفيسور جونسون، فإن التشتت الذهني المستمر له آثار سلبية تتجاوز مجرد الإنتاجية، حيث يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والاحتراق النفسي والاكتئاب على المدى الطويل.
وأشار البروفيسور جونسون: “وجدنا أن المشاركين الذين يعانون من مستويات عالية من تشتت الانتباه الذهني أبلغوا عن مستويات رضا أقل عن حياتهم بنسبة 24%، وكانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن أعراض الاكتئاب والقلق”، مضيفًا: “تشير نتائجنا إلى أن القدرة على التحكم في الانتباه وتقليل التشتت الذهني قد تكون مهارة حياتية أساسية للصحة النفسية والإنتاجية في العصر الرقمي”.
وختم بالقول: “بدلًا من التركيز فقط على الابتعاد عن الهواتف والأجهزة الإلكترونية، يجب أن نوجه المزيد من الاهتمام إلى تطوير تقنيات تساعدنا على إدارة عالمنا الذهني الداخلي بشكل أفضل”، مشددًا على أن “علاج تشتت الانتباه الذهني قد يكون أحد أهم التحديات النفسية والتعليمية في القرن الحادي والعشرين”.