كشفت دراسة علمية حديثة أجراها معهد علم الأعصاب بجامعة برينستون أن القلق من المجهول والمواقف غير المؤكدة يسبب ضغطًا نفسيًا وفسيولوجيًا أكبر بنسبة 60% مقارنة بالمواقف السلبية المؤكدة، مما يفسر لماذا يجد الكثيرون صعوبة في التعامل مع حالات عدم اليقين في الحياة اليومية.
آليات القلق من المجهول في الدماغ البشري
أجريت الدراسة التي نشرت في مجلة “ويب إم دي” على 187 مشاركًا خضعوا لسلسلة من التجارب النفسية والعصبية، حيث تم تعريضهم لثلاثة أنواع من المواقف: مواقف إيجابية مؤكدة، ومواقف سلبية مؤكدة، ومواقف غير مؤكدة النتيجة، مع قياس استجاباتهم النفسية والفسيولوجية والعصبية.
وأوضحت الدكتورة إليزابيث مارتن، الباحثة الرئيسية في الدراسة: “اكتشفنا أن الدماغ البشري يتعامل مع القلق من المجهول بطريقة مختلفة تمامًا عن المواقف المؤكدة، سواء كانت إيجابية أو سلبية”، وأضافت: “عندما واجه المشاركون مواقف غامضة، نشطت لديهم مناطق دماغية مرتبطة بمعالجة التهديدات والقلق بشكل أقوى بكثير مما في حالات المواقف السلبية المؤكدة”.
وأظهر التصوير العصبي الوظيفي أن اللوزة الدماغية (وهي مركز معالجة الخوف) والقشرة الجبهية الأمامية (المسؤولة عن اتخاذ القرارات) كانتا أكثر نشاطًا بنسبة 75% خلال مواجهة حالات عدم اليقين، مما يعكس جهد الدماغ المضاعف للتنبؤ بالنتائج المحتملة والاستعداد لها.
لماذا يسبب القلق من المجهول توترًا شديدًا؟
وفقًا للدكتور مايكل جونسون، عالم الأعصاب المشارك في الدراسة: “من منظور تطوري، كان عدم اليقين يمثل تهديدًا كبيرًا لبقاء أسلافنا، فعدم معرفة ما إذا كان هناك حيوان مفترس مختبئ في الظلام كان أكثر إرهاقًا من مواجهة تهديد معروف يمكن التعامل معه”، وأضاف: “هذا النمط من الاستجابة لا يزال مترسخًا في أدمغتنا الحديثة، على الرغم من تغير طبيعة التهديدات التي نواجهها اليوم”.
وأظهرت القياسات الفسيولوجية أن المشاركين سجلوا مستويات أعلى من هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة 68% عند مواجهة حالات غير مؤكدة، مقارنة بالمواقف السلبية المؤكدة، كما أظهروا معدلات ضربات قلب أعلى وزيادة في النشاط الكهربائي للجلد، مما يشير إلى استجابة توتر أكثر حدة.
وقالت الدكتورة مارتن: “المثير للاهتمام أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق أظهروا استجابة مبالغ فيها للمواقف غير المؤكدة، بمستويات توتر تفوق المجموعة العادية بنسبة 85%”، مضيفة: “هذا يشير إلى أن عدم القدرة على تحمل القلق من المجهول قد يكون عاملاً أساسيًا في تطور اضطرابات القلق”.
تعرف على: فوائد البروبيوتيك لتقليل القلق.. كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء على صحتك النفسية؟
الفروق الفردية في التعامل مع عدم اليقين
كشفت الدراسة عن وجود فروق فردية كبيرة في قدرة الأشخاص على تحمل عدم اليقين، حيث أظهر بعض المشاركين قدرة أفضل على التكيف مع المواقف الغامضة وتقليل استجابة التوتر لديهم.
وأوضح الدكتور جونسون: “وجدنا أن الأشخاص الذين يمارسون استراتيجيات معرفية معينة، مثل إعادة صياغة المواقف غير المؤكدة على أنها تحديات وليست تهديدات، أو الذين يتعاملون مع عدم اليقين كجزء طبيعي من الحياة، كانوا أقل تأثرًا بالقلق من المجهول بنسبة 45%”، مضيفًا: “كما لاحظنا أن الأشخاص الذين يمارسون التأمل والتمارين التي تعزز الوعي الذاتي كانوا أفضل في تنظيم استجاباتهم للمواقف غير المؤكدة”.
وأشارت الدراسة إلى أن الخبرات السابقة والعوامل الثقافية تلعب دورًا مهمًا في تشكيل كيفية تعامل الفرد مع عدم اليقين، حيث أظهر المشاركون من ثقافات تؤكد على قبول عدم اليقين مستويات أقل من القلق عند مواجهة مواقف غامضة.
تطبيقات علاجية للتعامل مع القلق من المجهول
بناءً على نتائج الدراسة، طور الباحثون برنامجًا علاجيًا مكونًا من ثماني جلسات يستهدف تحسين قدرة الأفراد على تحمل عدم اليقين، وقد أظهرت التجارب الأولية للبرنامج انخفاضًا في مستويات القلق بنسبة 35% لدى المشاركين الذين أكملوا البرنامج.
وقالت الدكتورة سارة ويليامز، أخصائية علم النفس السريري المشاركة في الدراسة: “يتضمن البرنامج تقنيات معرفية سلوكية لتحدي الأفكار السلبية حول عدم اليقين، وتمارين للتعرض التدريجي للمواقف غير المؤكدة، بالإضافة إلى ممارسات اليقظة الذهنية التي تعزز القدرة على البقاء في اللحظة الحالية دون القلق من المستقبل”.
وأضافت: “نأمل أن تساعد هذه التقنيات الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات القلق وأيضًا عامة الناس في حياتهم اليومية، خاصة في عالمنا الحالي الذي يتسم بمستويات عالية من عدم اليقين”.
وختمت الدكتورة مارتن: “فهم كيفية تأثير القلق من المجهول على أدمغتنا وأجسامنا هو الخطوة الأولى نحو تطوير استراتيجيات أفضل للتعامل معه، نحن نأمل أن تساهم هذه الدراسة في تحسين علاج اضطرابات القلق وتعزيز المرونة النفسية لدى الجميع في مواجهة عالم يزداد تعقيدًا وعدم يقينًا”.