كشفت دراسة علمية رائدة أجراها باحثون من جامعة أكسفورد البريطانية عن إمكانيات واعدة لاستخدام مؤشرات التخلق الجيني في التنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يفتح آفاقاً جديدة للوقاية والعلاج المبكر لهذه الأمراض التي تعد السبب الرئيسي للوفاة حول العالم.
كيف تعمل مؤشرات التخلق الجيني في تقييم مخاطر أمراض القلب؟
أوضحت الدراسة التي نُشرت في دورية “نيتشر ميديسين” العلمية المرموقة أن مؤشرات التخلق الجيني تقيس التغييرات الكيميائية التي تؤثر على نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه. وتشمل هذه التغييرات إضافة مجموعات كيميائية مثل مجموعات الميثيل إلى الحمض النووي، مما يؤثر على كيفية قراءة الجينات وترجمتها إلى بروتينات.
وقال البروفيسور ريتشارد ويليامز، قائد فريق البحث: “على عكس التغييرات الجينية التقليدية، يمكن لمؤشرات التخلق الجيني أن تتغير استجابة للعوامل البيئية مثل النظام الغذائي ونمط الحياة والتعرض للملوثات، مما يوفر نافذة فريدة لفهم التفاعل بين الجينات والبيئة في تطور أمراض القلب والأوعية الدموية.”
دقة مؤشرات التخلق الجيني في التنبؤ بأمراض القلب
أظهرت نتائج الدراسة التي شملت تحليل بيانات أكثر من 12,000 شخص على مدار 15 عاماً أن مؤشرات التخلق الجيني كانت قادرة على التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بدقة تفوق الطرق التقليدية بنسبة 31%.
وأضافت الدكتورة إيما برايس، إحدى الباحثات المشاركات في الدراسة: “عندما جمعنا مؤشرات التخلق الجيني مع عوامل الخطر التقليدية مثل مستويات الكوليسترول وضغط الدم والتدخين، تمكنا من زيادة دقة التنبؤ بنسبة تصل إلى 45%، مما يشير إلى إمكانية استخدام هذه المؤشرات كأداة قيمة في الممارسة السريرية.”
تطبيقات مؤشرات التخلق الجيني في الطب الشخصي
تستكشف الدراسة إمكانية استخدام مؤشرات التخلق الجيني في تطوير نهج طبي شخصي لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية، حيث يمكن تصميم استراتيجيات الوقاية والعلاج وفقاً للملف التخلقي الجيني الفريد لكل مريض.
وأوضح البروفيسور ويليامز: “نعتقد أن مؤشرات التخلق الجيني ستمكننا من تحديد الأشخاص المعرضين لخطر كبير للإصابة بأمراض القلب في وقت مبكر، وتقديم تدخلات استباقية قبل ظهور الأعراض، مما قد يحدث ثورة في كيفية تعاملنا مع هذه الأمراض.”
عوامل نمط الحياة وتأثيرها على مؤشرات التخلق الجيني
وجدت الدراسة أن العديد من عوامل نمط الحياة يمكن أن تؤثر على مؤشرات التخلق الجيني، مما يوفر فرصاً للتدخل وتعديل المخاطر. ومن بين هذه العوامل:
- النظام الغذائي: وجدت الدراسة أن اتباع نظام غذائي متوسطي غني بالفواكه والخضروات والدهون الصحية يرتبط بملف تخلقي جيني مواتٍ.
- النشاط البدني: أظهر الأشخاص الذين يمارسون التمارين الرياضية بانتظام تغييرات إيجابية في مؤشرات التخلق الجيني المرتبطة بأمراض القلب.
- التوتر: ارتبط التوتر المزمن بتغييرات سلبية في مؤشرات التخلق الجيني، مما يسلط الضوء على أهمية إدارة التوتر في الوقاية من أمراض القلب.
وقالت الدكتورة برايس: “المثير للاهتمام هو أن هذه التغييرات التخلقية الجينية يمكن أن تكون قابلة للعكس، مما يعني أن التدخلات في نمط الحياة يمكن أن تحسن الملف التخلقي الجيني وتقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب.”
تعرف على: أمراض النساء قد تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية
التحديات والآفاق المستقبلية لمؤشرات التخلق الجيني
رغم النتائج الواعدة، أشار الباحثون إلى وجود عدة تحديات يجب التغلب عليها قبل تطبيق مؤشرات التخلق الجيني على نطاق واسع في الممارسة السريرية، بما في ذلك:
- الحاجة إلى تقنيات أكثر فعالية من حيث التكلفة لقياس مؤشرات التخلق الجيني
- ضرورة توحيد طرق قياس وتفسير هذه المؤشرات
- تطوير أدوات سهلة الاستخدام للأطباء لدمج هذه المعلومات في صنع القرار السريري
وختم البروفيسور ويليامز قائلاً: “نحن في بداية رحلة مثيرة لاستكشاف إمكانات مؤشرات التخلق الجيني في فهم وعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية. في العقد القادم، نتوقع أن تصبح هذه المؤشرات جزءاً أساسياً من التقييم الروتيني لمخاطر الإصابة بأمراض القلب، مما يمكننا من إنقاذ الملايين من الأرواح.”